أجواء مشحونة بالتوتر والقلق سادت الأمسية التي غاب عنها أعضاء مجلس إدارة «أدبي الجوف»
200 رجل أمن يحوّلون مقر أمسية «حليمة مظفر» إلى ثكنة عسكرية
الجوف - عبدالعزيز النبط
أوجد حضور أكثر من 200 رجل أمن من القطاعات الأمنية كافة، يتقدمهم مدير شرطة منطقة
الجوف اللواء أحمد سعيد ملة، في الأمسية الشعرية التي أحيتها الشاعرة والإعلامية
حليمة مظفر إضافة إلى الشاعرين عبدالعزيز الشريف ومحمد الغامدي مساء الخميس الماضي
في مركز الأمير عبدالإله الحضاري في مدينة سكاكا، توتراً في أجواء الأمسية، وأبعد
عنها مظاهر الإبداع والتأمل لجمالية نصوص الشعراء.
فمع تفتيش سيارات الزائرين بحثاً عن المتفجرات! وحتى تفتيشهم ذاتياً بواسطة أجهزة
الكشف عن الأسلحة، ومنظر الجنود وهم مدججون بأسلحتهم في محيط المركز وفي داخل
القاعة، ووجود أكثر من 50 شخصاً متديناً يرافقهم نحو 20 من الشبان الصغار في السن،
عملوا طوال الأمسية على إثارة الصخب والضوضاء بواسطة هواتفهم ورفع أصواتهم بالحديث
وتحريك الكراسي بشكل مزعج، والسخرية من الشعراء، ما أفسد الجو الشعري.
وقال الشعراء خلال حديثهم إلى «الحياة» إن الوجود المكثف لرجال الأمن في الأمسية
أرعبهم، واعتبر الشريف وجودهم ضرورة بسبب المواقف «الظلامية» التي واكبت الأمسية
قبلها وأثناءها، مثل رسائل التهديد بالقتل التي وصلت إلى رئيس النادي، وخلق البلبلة
والضوضاء في الأمسية، «ما أثر سلباً في عطائنا كشعراء وعلى تهيئتنا النفسية وكان
السبب الرئيسي هو حضور هذه «الفئة»، التي اصطدمت بحضور رجال الأمن».
وأضاف: «كان بودنا أن ننطلق بفضاءاتنا الإبداعية بأقصى طاقة ممكنة وبراحة نفسية
هادئة بعيداً عن الشد النفسي الذي تعرضنا له في الأمسية».
من جانبها، قالت حليمة مظفر إنها اختارت نصوصاً شعرية تتفق مع ذائقة الأغلبية
الحاضرة في الأمسية، مشيرة إلى أن حضورها إلى الأمسية هو تشجيع للمرأة للقيام
بدورها الثقافي. وقدمت حليمة شكرها وتقديرها إلى أمير منطقة الجوف الأمير فهد بن
بدر بن عبدالعزيز الذي «قدّم كل الدعم والتشجيع لمشاركة المرأة في نشاطات نادي
الجوف الأدبي».
وكان واضحاً منذ بداية الأمسية بأن الملتزمين يسعون إلى إشاعة نوعاً من البلبلة
والتشويش على الأمسية، وساعد في تنفيذ مخططهم ذلك جلبهم لشبان صغار عملوا طوال
الأمسية على إثارة الصخب والإزعاج، حتى أن أحدهم حاول التوجه إلى منصة الشاعرين قبل
أن يمنعه رجال الأمن! وقال رئيس النادي إبراهيم الحميد إن هؤلاء الشبان مجرد دمى
يتم تحريكهم من أشخاص قابعين في مكاتبهم، ويعملون إلى إثارة وتجييش مشاعر الكثير من
البسطاء. واعتبر وجود الجهات الأمنية ضرورياً لمنع هؤلاء الأحداث من ارتكاب أفعال
حمقاء، «ويبدو أنهم لا يعون خطورة الموقف وبأن هناك أشخاصاً يعملون على تسييرهم
وفقاً لأجندتهم المتطرفة». مشيراً إلى أن هؤلاء الشبان «لم يحضروا إلى الأمسية
للتزود بالثقافة»، وقال إنهم «تعرضوا لغسل أدمغتهم، من رؤسائهم الذين أقنعوهم بأن
أنشطة النادي مخالفة للشرع».
وبيّن أن النادي لا يكون إلا نفسه، ولم يخترع نشاطاً جديداً، وهو مستمر في تبني
برامجه الثقافية تحت مظلة الدولة. وكشف الحميد عن اكتساب التيار المتطرف للكثير من
أبناء وبنات المنطقة، «في ظل غياب البرامج والخطب التوعوية». وأوضح أن الجهات
الأمنية يجب عليها القلق كثيراً، من اتساع دائرة التطرف في مجتمع الجوف، «وعليهم
مسؤولية البحث عن مصادر الدعم في داخل المنطقة وخارجها».
وقال إن النادي مؤسسة ثقافية لخدمة الثقافة والاعتدال والتسامح، «ولن يكون منبراً
للمتطرفين لبث أفكارهم المعادية للمجتمع، وهو يحظى بدعم رسمي وشعبي لأنه استطاع
تقديم برامج أوجدت حراكاً ثقافياً في المنطقة». إلى ذلك، تساءل أحد المهتمين بالشأن
الثقافي عن مدى أخلاقية استغلال الأحداث في تحقيق أهداف وتطلعات أشخاص أكبر منهم،
مطالباً الأسر بمتابعة أبنائها من الوقوع في أحضان «المتطرفين» الذين يسعون إلى فرض
معتقداتهم المتطرفة عن طريق هؤلاء الشبان المغرر بهم.
وفي السياق ذاته، واصل أعضاء النادي غيابهم عن الفعاليات الثقافية، فلم يحضر إلى
الأمسية سوى عضوين، إضافة إلى رئيس النادي، من بين عشرة أعضاء. وكانت «الحياة» نشرت
قبل نحو ثلاثة أسابيع موضوعاً حول مطلب أحد أعضاء النادي بفصل الأعضاء الذين لا
يحضرون فعاليات النادي، وقال هذا العضو لـ «الحياة» إن حادثة إحراق خيمة النادي
الثقافية قبل نحو ثلاثة أشهر، كشفت مواقف هؤلاء الأعضاء، إذ إن معظمهم كان يبحث عن
الوجاهة الاجتماعية.
يذكر أن الأمسية هي الثانية التي ينظمها نادي الجوف الأدبي بمشاركة عنصر نسائي، بعد
الأمسية التي شاركت فيها الشاعرة والإعلامية ميسون أبو بكر قبل أسبوعين، وبعد حادثة
إحراق خيمة نادي الجوف الأدبي قبل نحو ثلاثة أشهر، احتجاجاً على مشاركة الشاعرة
حليمة مظفر في أمسية كان مقرراً إقامتها بمشاركة الشاعرين عبدالعزيز الشريف ومحمد
الغامدي.
رسائل تهديد بالقتل لرئيس النادي
منذ أن أعلن «أدبي الجوف» عن إقامة الأمسية قبل نحو خمسة أيام، توالت رسائل تدعو
إلى منع إقامة الأمسية، واستخدم «المحتسبون» جميع الوسائل، لإيصال رغبتهم في منع
الأمسية، مثل رسائل البريد الإلكترونية، رسائل الجوال، الفاكس، المكالمات، وشملت
جميع الجهات ذات العلاقة، مثل إمارة المنطقة، النادي الأدبي، الشرطة، المحكمة، هيئة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ووصلت حدة الرسائل إلى درجة التهديد بالقتل، فرئيس النادي إبراهيم الحميد تلقى،
أكثر من رسالة على هاتفه الجوال، تهدده بالقتل صراحة، فإحدى هذه الرسائل موقعة من
جماعة تسمي نفسها «جماعة الصدع بالحق ضد نادي التغريب والإفساد»، مهددة الحميد بسفك
دمه، «تقرباً إلى الله لإحضاره حليمة مظفر إلى الجوف».
واستنكر الحميد في حديثه لـ«الحياة» هذه الرسائل المجهولة، مشيراً إلى وجود تيار
متطرف يحاول اختطاف منهج الاعتدال في المجتمع، «وهو امتداد للتيار التكفيري الموجود
خارج المنطقة، والذي يحاول أيضاً اختطاف بساطة وتسامح المجتمع الجوفي المتدين
بفطرته»، معتبراً الأشخاص الذين أرسلوا الرسائل بأنهم أصحاب فكر مأزوم، ومغرر بهم
ولديهم فكر مغلوط عن النادي ونشاطاته، مثل ادعائهم بوجود الاختلاط». وقال إن النادي
يمثل جزءاً من النسيج الاجتماعي والحكومي في المنطقة، وهو يقود مسيرة الاعتدال
والوسطية.
ولفت الحميد إلى وجود أشخاص يعملون في جهات حكومية، مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، قاموا بالتأثير في أهالي بعض عضوات النادي لمنعهن من الحضور إلى فعاليات
النادي الثقافية.
وذكر ان ما حدث في أمسية الخميس لا يمثل مجتمع الجوف المتدين والمعتدل، مؤكداً أن
التيار المتطرف حاول استعراض قوته، من خلال «إرسال مجموعات من رواد الاستراحات
الدينية، للتشويش على الأمسية». وكشف عن تلقيه اتصالات من شخصيات دينية تؤيد نشاط
النادي، ولكنها «تطالب بجرعات مخففة لنشاطاته، نظراً لحال الجهل والحماسة لدى
التيارات المتطرفة، مبدين تفهمهم الكامل لبرامج النادي ودوره التنويري». معتبراً
غياب التنمية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والبلدية في المنطقة، اسهم بشكل كبير
في إذكاء التطرف، الذي «يزداد شراسة في مجتمع الجوف».
السالم: رئيس «أدبي الجوف» تصدّى للحركات الإرهابية
ساند الشاعر زياد السالم رئيس نادي الجوف الأدبي إبراهيم الحميد، معتبراً في كلمة
«جريئة» ألقاها في الأمسية، أن الحميد تصدى للحركات الإرهابية التي «تحاول أن تدمّر
كل أفق مختلف في الوطن». وقال إن الحميد رجل ذو أفق واسع ومختلف، وهو «أحد أبرز
القيادات الثقافية في المنطقة، عرفناه قبل أكثر من عقدين رجلاً وطنياً معنياً بكل
مسائل التنمية في المنطقة». وأضاف: «وهو الآن يتجشم عناء العملية الثقافية في
المنطقة، ويحركها ويتمرد على المسلّمات الجامدة، إنه صاحب البصمات المطبوعة
بالضوء». وهاجم السالم «الراديكاليين والأصوليين»، الذين «ينظرون إلى كل تجربة
مختلفة بعين تاريخية لا تأخذ البعد الزمني والحراك التاريخي الثقافي». مطالباً
إياهم بالاقتداء بالشيخ سلمان العودة «المنفتح على آفاق المستقبل، وأن يقرأوا تجارب
مضيئة في أصول الفقه، كتجربة الإمام الشاطبي وابن حزم وابن رشد، هذه التجارب
المفصلية في التاريخ العربي». وشبّه السالم نصوص الشعراء بأنها «مشغولة بالانفصال
عن سلطة الموروث الشعري، وهي تقدم رؤية مغايرة من خلال المجازية العالية الموجودة
داخل النصوص».
جانب من الحضور. جانب من حضور صغار السن ويظهر رجال الأمن خلفهم.

رئيس «أدبي الجوف» يكرم الشاعرين الغامدي والشريف. صورة للرسالة التي تلقاها رئيس «أدبي الجوف».
صحيفة الحياة
السبت 22/4/1430هـ